الشيخ عبد الغني النابلسي
33
كتاب الوجود
الجميع ، وبه تميز عن المعدومات ؛ وهو الوجود المطلق ، وإنما يتخصص في الممكنات « 1 » بالإضافة إلى الماهية التي ينتزع منها كوجود زيد ووجود عمرو ، والبرهان يدل على أن كون الممكنات بهذه الحيثية مستند إلى وجود يكون تخصيصه بسب الإضافة إلى غيره ، وهو الوجود الحق ، الواجب لذاته . فإن قلت : إني أريد بالوجود المعنى المشترك البديهي ، فلا شك أنه ليس عين الواجب ، ولا عين شيء من الموجودات ، وإن أريد به معنى آخر ، اصطلحوا على تسميته بالوجود ، فيكون النزاع لفظا ؛ قلت : المراد به ما هو مبدأ انتزاع هذا المفهوم البديهي ، وهو في الواجب تعالى ذاته بذاته في الممكنات أثر الفاعل « 2 » ، فإن قلت على مذهب جمهور المتكلمين أيضا لما كانت الذات علة للوجود تكون ذاته مبدأ لانتزاع ذلك المفهوم ، فلا يبقى نزاع بين الفريقين ؛ قلت : القائلون بالعينية استدلوا على بطلان هذا المذهب بأن بداهة العقل حاكمة بأن الشيء ما لم يوجد لم يوجد ؛ لأن الإيجاد فرع الوجود ، فلو كانت الماهية علة لوجودها لزم تقدم وجودها على إيجادها نفسها ، فإن كان الوجود السابق عين الوجود اللاحق لزم الدور ، وإن كان مغايرا له نقلنا الكلام إليه حتى يتسلسل أو ينتهى إلى وجود هو عينه ، وعلى أن البداهة حاكمة بأن
--> ( 1 ) يقتضى مذهب ابن عربى في وحدة الوجود عدم القول بالممكن في مقابل الواجب ؛ أعنى الممكن بمعنى الموجود المتغير الحادث ، والذي إذا نظر إليه من حيث هو ، وكان معدما - والممكن هو ما كان وجوده بغيره ويتصور فيه الوجود والعدم - وذلك على الرغم مما يسميه بالأعيان الثابتة ( الموجودات الممكنة ) ؛ لأن هذه الأعيان الثابتة ذاتها ضرورية ، بمعنى أنها موجودات بالقوة لا بد لها من أن توجد بالفعل ؛ وهي ما يسميه الفلاسفة بواجب الوجود بالغير . [ التصوف الفلسفي ( 38 ) ] . ( 2 ) إن الممكنات لها صفات خاصة تتلخص في : ( أ ) أن الممكنات أو الأعيان الثابتة هي ثابتة لا تزال في العدم ما شمت رائحة الوجود ، ودوام ظهورها في الحس يقتضى دوام إيجادها في كل لحظة ؛ لأنها فانية معدومة دائما . ( ب ) أن الممكنات لها الافتقار الذاتي ، فلو استمرت زمنين لاتصفت بالغنى عن الخالق ، وذلك ينافي التفرقة التي شدد عليها ابن عربى بين الصفات الذاتية للحق وللخلق ، فالخلق له دوام الافتقار إلى الإيجاد والظهور . [ المرجع السابق ( 58 ) ] .